محمد طاهر الكردي

265

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أقبل المراضع إلى مكة عجافا نحافا ، تحملهن حمر عجاف نحاف ، ويصحبهن أزواجهن قد مسهم الضر ، وأعياهم الكسب ، واشتدت عليهم السنة ، وأجدبت بهم الأرض ، فما يجدون إلى أمن ولا دعة ولا حياة سبيلا . وقد أقبلوا كدأب أهل البادية إلى مكة يلتمسون الرضعاء أبناء السادة والمترفين في قريش ، ويبتغون بذلك فضلا من مال ونافلة من نعيم ، وحظا من هذا البر الذي تطمع فيه المراضع عند أهل الرضعاء . فلما ألقوا رحالهم ، انحدر المراضع إلى مكة يعرضن أنفسهن على دور الأغنياء وأهل الثراء ، ومنازل السادة وأصحاب الشرف من أهل البطحاء وأسرع أزواجهن إلى المسجد يطوفون ويلقون سراة الناس من قريش ، فيسمعون منهم ويتحدثون إليهم ويستعينون بهم على احتمال أثقال الحياة في تلك البادية النائية ، بادية بني سعد بن بكر . وما هي إلا طوفة في الضحى على بعض المنازل والدور حتى آب المراضع موفورات مجبورات ، وقد وجدت كل واحدة منهن رضيعا من أسرة كريمة موسرة ، فامتلأت يدها بالمال ، ونفسها بالأمل ، وقلبها بالغبطة والأمن على قوت العيال ، إلا حليمة بنت أبي ذؤيب ، فإنها عادت إلى زوجها كئيبة محزونة ، لا تحمل إلا ابنها الهزيل النحيل الذي يصيح في غير انقطاع ، ويبكي في غير هدوء ، لشدة ما مسه من ألم الظمأ والجوع . ولقي الأعرابي امرأته الشابة محزونا مثلها ، كئيبا مثلها لا يؤذيه ما يحس من الجوع والظمأ ، كما يؤذيه ما يسمع ويرى من بكاء الطفل وتوجع أمه البائسة . قال : إني لأرى أترابك من المراضع يرجعن موفورات مجبورات يحملن الرضعاء ، فما بالك تعودين لا تحملين رضيعا إلا هذا الطفل ؟ ألعلك قد دللت الناس على مكاننا من البؤس وحظنا من الفاقة حين احتملت هذا الطفل الذي لا ينقطع له صياح ؟ ألعلك قد أيأست الأمهات وأخفت الآباء ألا يلقى أبناؤهم عندك ما يرويهم من ظمأ أو يشبعهم من جوع ؟ ليتني لم أنحدر مع الناس إلى المسجد وليتني بقيت هنا أحفظ عليك هذا الطفل ، حتى لا يسمع الأمهات والآباء له بكاء ولا شكاة ، وحتى لا يرى الآباء والأمهات عليه بؤسا ولا ضرا . قالت : واللّه ما صد عني الآباء والأمهات ، ولقد أسكت هذا الطفل فما بكى ولا شكى ، وما أحس أحد عليّ ولا عليه ضرا أو شرا ، وإنما صددت أنا عن رضيع صدّ عنه الأتراب من قبلي . قال الأعرابي : وفيم صد كن عنه واجتنابكن له .